الأمن القومي العربي ودور معاهدة الدفاع العربي المشترك: الواقع والمعوقات والآفاق.
واقع الأمن القومي العربي
يتسم واقع الأمن القومي العربي بحالة من الانكشاف لم يعانيها منذ حصول غالبية الدول العربية على الاستقلال، وما عرف حينئذ بالتحرر من الاستعمار، فالشعوب العربية تعاني الآن من حالات انكشاف للأمن القومي تشتمل على الاحتلال المباشر، وانتهاكات الحدود والأجواء والمياه الإقليمية، والتوترات الطائفية التي تهدد الوحدة الوطنية والقومية، والتوترات الداخلية الناجمة عن أسباب اجتماعية وأزمات سياسية، وتبعية غالبية الدول العربية سياسيا لقوى أجنبية، ووجود قواعد وتسهيلات عسكرية اجنبية على أراضي دول عربية، وإجراء مناورت مشتركة مع قوات أجنبية، هذا بالإضافة إلى شلل مؤسسات الأمن القومي، وغياب القيادة السياسية للأمة، وانضمام دول عربية إلى تنظيمات وترتيبات دفاعية أجنبية. لكن هناك بعض الإيجابيات في حال الأمن القومي يجب الالتفات لها والعمل على تنميتها والاستفادة منها.
وليس بعيدا عن الأمن القومي ما تعانيه الأمة العربية من تخلف في مجالات العلم والتكنولوجيا، وارتفاع نسبة الأمية، والتبعية الاقتصادية سواء في مجالات الغذاء أو المواد المصنعة، وشح موارد المياه وارتفاع نسبة الفقر، وازدياد حالات التصحر، وحالات التمرد والحركات الانفصالية، ثم انخفاض مستوى المشاركة في القرار السياسي. لكني سأحاول أن أحصر الأمر في الجانب الدفاعي الأمني باعتبار أنه يتعلق بالوجود ذاته.
هناك حالات الاحتلال المباشر في العراق وفلسطين المحتلين بالكامل، بينما هناك احتلال جزئي لكل من سوريا ( الجولان)، ولبنان ( مزارع شبعا)، والمغرب ( سبتة ومليلة)، والصومال ( صحراء أوجادين). أما انتهاكات الحدود فنجدها مرة أخرى في العراق ( إضافة إلى احتلاله المباشر) بواسطة القوات التركية وهي تطارد عناصر حزب العمال الكردستاني، وانتهاك من عناصر من إيران. وانتهاكات في سوريا بالإضافة إلى الاحتلال الجزئي حيث هاجمت إسرائيل مواقع سورية في البقاع، وفي الشمال ضد ما اعتبرته إسرائيل موقعا نوويا. أما لبنان فيجري انتهاك أجوائه الإقليمية ومياهه البحرية بواسطة القوات الجوية والأسطول الإسرائيليين بصفة مستمرة ورغم وجود قوات اليونيفيل، كذلك جرى انتهاك لحدود مصر بالنيران بأن أطلقت إسرائيل نيرانها على أهداف داخل الحدود المصرية وقتلت أفرادا، كما يدخل الإسرائيليون إلى شبه جزيرة سيناء بدون تأشيرات سفر نتيجة لاتفاقات يمكن اعتبارها اتفاقات إذعان. وفي السودان تتعرض الحدود مع تشاد إلى اختراق من جانب تشاد بحجة مطاردة من يهاجمونه من أراضي السودان، وفي الصومال تنتهك الأجواء الصومالية من الطائرات والسفن والقوات الإثيوبية والأمريكية بشكل منتظم، كما سبق ان انتهكت السفن الأسبانية المياه المغربية. أخيرا فإن فلسطين لا تتعرض فقط للاحتلال المباشر وإنما يجري انتهاك مناطقها في الضفة والقطاع بصفة منتظمة، ويقتل ويجرح منهم الكثير بصفة يومية، ويحرمون من أبسط وسائل الدفاع الفردي والجماعي، ولا يجدون من يساندهم في الدفاع لا من إخوانهم العرب، ولا مما يسمى بالمجتمع الدولي.
بالإضافة إلى ما سبق فإن التوترات الطائفية التي أثارتها وتثيرها القوى الأجنبية عرضت الأمن القومي العربي كله للخطر نتيجة احتمالات انتشار هذه التوترات وأثر ذلك على وحدة الأمة، وقد برز ذلك بصفة خاصة في التوترات في العراق بين الشيعة والسنة والأكراد، وفي لبنان بين المسيحيين والمسلمين بطوائفهم، وفي الجزائر بصفة خاصة بين العرب والأمازيغ، وفي المغرب بين المغاربة والصحراويين، وفي اليمن بين الشوافع والزيدية.
بالإضافة إلى ما سبق هناك التوترات الداخلية ذات الطابع الخطير حيث يجري الصراع في العراق بين سنة وسنة، وشيعة وشيعة، وأكراد وأكراد بدرجة أقل، وفي الخليج هناك نزاع مكتوم بين السنة والشيعة والأباضية، وفي اليمن هناك صراع بين الحكومة والحوثيين، وفي السودان بين حزب المؤتمر الوطني من جهة وجهات معارضة كثيرة منها الجبهة الشعبية لتحرير السودان المشاركة في الحكم، وحركات التمرد في دارفور وهي عديدة وتثير نعرات عرقية بين من هم من أصول عربية وأصول أفريقية، وفي شرق السودان. وفي الجزائر هناك صراع بين السلطة الحاكمة وبين عناصر إسلامية تستخدم العنف بدون هدف ظاهر وتعتبر حركات إرهابية، وفي الصومال يجري صراع داخلي دام بين الحكومة المؤقتة المدعومة من إثيوبيا والولايات المتحدة وأتباع المحاكم الإسلامية، أما في مصر فهناك صراع مكتوم بين عناصر المعارضة بأنواعها والحكومة مما أدى مؤخرا إلى نوع من الانفجار وتعاني طبقات كبيرة من الشعب من ارتفاع الأسعار وعدم القدرة على توفير مطالب الحد الأدنى من العيش، كما تفتعل من حين لآخر نزاعات بين المسلمين والأقباط. أما لبنان فهناك صراعات تأخذ أحيانا طابعا طائفيا رغم أن كل طائفة منقسمة على نفسها حيال الأزمة اللبنانية.
وقد ظهر أخيرا شكل جديد من اختراق الأمن القومي وانكشافه بانقسام الدول العربية إلى دول معتدلة ودول مارقة، وأصبح من الممكن أن يجتمع وزراء خارجية ورؤساء أجهزة مخابرات دول عربية تحت رئاسة وزيرة الخارجية الأمريكية على أرض عربية. وقد برز أثر ذلك بدرجة ما في مؤتمر القمة العشرين الذي انعقد في دمشق بنهاية مارس 2008.
كذلك فقد انتشر الوجود العسكري الأجنبي في الوطن العربي على هيئة قواعد وتسهيلات عسكرية أجنبية، ويبدو ذلك واضحا أكثر في الوجود العسكري الأجنبي في العراق، والقاعدة البحرية الأمريكية في البحرين ( قاعدة الجفير )حيث ميناء المبيت للأسطول الأمريكي الخامس، وفي قطر حيث قاعدة العديد أكبر قاعدة جوية أمريكية في المنطقة ( حتى الآن)، كذلك هناك قواعد عسكرية أجنبية في السعودية وفي الكويت والإمارات وعمان وفي جيبوتي، أما في مصر والأردن فهناك تسهيلات عسكرية أجنبية للقوات الأمريكية. ونلاحظ أن الوجود العسكري الأجنبي المذكور في دول عربية لم يحم بعضها من احتمال تعرضها للعدوان على نحو ما فكر الرئيس الأمريكي في قصف المملكة السعودية لأن منها خرج أكبر عدد من الذي نفذوا هجمات البرجين وفقا لاعتقاده، كما فكر في قصف قناة الجزيرة التي تقع في قطر والتي بها قاعدة العديد والقيادة المركزية للولايات المتحدة، وتعرضت مصر للعدوان وللتهديد رغم التسهيلات العسكرية التي منحتها للولايات المتحدة. بالإضافة إلى ما سبق فإن هذا الوجود يشكل بالطبع مصدرا محتملا للعدوان وانتهاك الأمن القومي للدول العربية القريبة، ويكفي أن نذكر تهديد كولن باول لسوريا بعد احتلال العراق.
كما أجريت مناورات مشتركة بين قوات عربية خاصة من مصر وبعض دول الخليج مع قوات أجنبية مما أعطى للقوات الأجنبية فرصة الحصول على معلومات مجربة ومختبرة عن المنطقة العربية وقدرات قواتها.
ولقد انضمت دول عربية إلى اتفاقات وترتيبات عسكرية ودفاعية أجنبية حيث انضمت الأردن ومصر وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا كل منها منفردة إلى حوار المتوسط التابع لحلف شمال الأطلسي، وعقد اجتماع مشترك بين وزراء دفاع الحلف ووزراء دفاع الدول العربية السابق ذكرها في المغرب، كما أبدت دول عربية منها الرغبة في الانضمام إلى عملية المسعى النشيط التي يقودها حلف الأطلسي في البحر المتوسط. الأغرب أن مسؤولا كويتيا أبدى رغبة بلاده المشاركة في العملية رغم أنها تخص البحر المتوسط.
ومن جهة أخرى انضمت أربع دول خليجية هي الكويت وقطر والبحرين والإمارات كل منها منفردة إلى مبادرة استنبول للتعاون وهي أيضا تابعة لحلف شمال الأطلسي ويصير الانضمام إليها بشكل منفرد وبغض النظر عن أن هذه الدول أعضاء في ترتيبات دفاعية عربية سواء كانت معاهدة الدفاع المشترك أم قوة درع الجزيرة، أو مجلس التعاون الخليجي.
ويهدف حوار المتوسط و مبادرة استنبول للتعاون إلى إعداد الدول المنضمة إليها للمشاركة في عمليات عسكرية يقودها حلف شمال الأطلسي.
من مظاهر انكشاف الأمن القومي العربي الاعتماد شبه الكامل على استيراد الأسلحة والمعدات العسكرية من جهات أجنبية لها علاقات قوية بمصادر التهديد المحتملة وخاصة إسرائيل، وبالتالي تعرض القرار الدفاعي والأمني العربي لضغوط خارجية مؤثرة، وهنا يمكن مقارنة الموقف بالصناعة العسكرية في إيران وفي باكستان والهند.
رغم كل ما سبق عن سلبيات في حال الأمن القومي العربي فإن هذا لا يمنع من وجود إيجابيات ومصادر مضيئة أهمها قدرة المقاومات العربية على توجيه ضربات إلى قوى الاحتلال والعدوان، وقد تمثل ذلك في ما قامت وتقوم به المقاومة العراقية في العراق بحيث شلت قدرته على التحرك الفعال وأوقفت قدرة الولايات المتحدة على استخدام القوة العسكرية عالميا وليس إقليميا فقط. كذلك فقد تمكنت المقاومة اللبنانية من هزيمة القوات الإسرائيلية في مجموعة أعمال قتال ناجحة واستطاعت أن تشل قدرة القوات الإسرائيلية على التمدد. وفي فلسطين استطاعت المقاومة الفلسطينية رغم القيود المفروضة عليها والضعف الشديد لما تتلقاه من مساعدات- هذا إذا كانت تتلقى أيا منها – أن تطور نفسها وأسلحتها وأساليب عملها مما أجبر العدو على الاعتراف بقدرتها وعمله على تضييق الخناق حولها. كذلك من الواضح أن سوريا بدأت في تطوير قواتها المسلحة ومقاومتها على نحو أصبح يثير القلق لدى القيادات الإسرائيلية مما أجبر الأخيرة على البحث عن وسائل لتجنب النتائج. لكن من المهم أن ننبه إلى خطورة تحميل المقاومة أكثر مما تحتمل، حيث لا يمكن للمقاومة وحدها أن تحفظ الأمن القومي العربي أو تحقق إنهاء الإحتلال الأجنبي حيث تحتاج إلى دعم عسكري وسياسي ودبلوماسي.
واقع العمل الدفاعي العربي المشترك
غني عن القول أن معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي هي القاعدة للعمل الدفاعي العربي المشترك، وتكملها الاتفاقات متعددة الأطراف الناتجة عن الترتيبات الإقليمية العربية مثل اتحاد الجمهوريات العربية، ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، واتحاد المغرب العربي، ومجلس التعاون العربي؛ والاتفاقات الثنائية: مثل الدفاع المشترك بين مصر وسوريا، وبين مصر والسودان، وما يتبع ذلك مما يمكن من إنشاء قيادات مشتركة، وإجراء منا